ابن كثير
80
البداية والنهاية
أنت وما أقدمك ؟ فان صدقتني نفعك الصدق وإن كذبتني فقد اطلعت على ما هممت به . قال العربي فأنا آمن ؟ قال وأنت آمن . فأخبره بخبر أبي سفيان وما جعل له فأمر به فحبس عند أسيد بن حضير ثم دعا به من الغد فقال قد أمنتك فاذهب حيث شئت ، أو خير لك من ذلك قال وما هو فقال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك أنت رسول الله ، والله يا محمد ما كنت أفرق من الرجال فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي . وضعفت ( 1 ) ثم اطلعت على ما هممت به فما سبقت به الركبان ، ولم يطلع عليه أحد ، فعرفت أنك ممنوع ، وأنك على حق وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم وأقام أياما ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فخرج من عنده ولم يسمع له بذكر . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن أمية الضمري ولسلمة بن أسلم بن حريس ( 2 ) أخرجا حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب فإن أصبتما منه غرة فاقتلاه . قال عمرو فخرجت أنا وصاحبي حتى أتينا بطن يأجج فقيدنا بعيرنا ، وقال لي صاحبي : يا عمرو هل لك في أن نأتي مكة فنطوف بالبيت سبعا ، ونصلي ركعتين فقلت [ أنا أعلم باهل مكة منك إنهم إذا أظلموا رشوا أفنيتهم ثم جلسوا بها و ] ( 3 ) اني أعرف بمكة من الفرس الأبلق . فأبى علي فانطلقنا فأتينا مكة فطفنا أسبوعا ( 4 ) وصلينا ركعتين فلما خرجت لقيني معاوية بن أبي سفيان فعرفني وقال : عمرو بن أمية وا حزناه . فنذر ( 5 ) بنا أهل مكة فقالوا ما جاء عمرو في خير . وكان عمرو فاتكا في الجاهلية . فحشد أهل مكة وتجمعوا ، وهرب عمرو وسلمة وخرجوا في طلبهما واشتدوا في الجبل . قال عمرو : فدخلت في غار ، فتغيبت عنهم حتى أصبحت وباتوا يطلبوننا في الجبل ، وعمى الله عليهم طريق المدينة أن يهتدوا له فلما كان ضحوة الغد أقبل عثمان بن مالك بن عبيد الله التميمي يختلي لفرسه حشيشا فقلت لسلمة بن أسلم : إذا أبصرنا أشعر بنا أهل مكة ، وقد انفضوا عنا فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا ، قال فخرجت إليه فطعنته طعنة تحت الثدي بخنجري فسقط وصاح ، فاجتمع أهل مكة فأقبلوا بعد تفرقهم [ ورجعت إلى مكاني فدخلت فيه ] ( 6 ) وقلت لصاحبي لا تتحرك ، فأقبلوا حتى أتوه وقالوا من قتلك ؟ قال : عمرو بن أمية الضمري . فقال أبو سفيان : قد علمنا أنه لم يأت لخير . ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا فإنه كان بآخر رمق فمات ، وشغلوا عن طلبنا بصاحبهم فحملوه ، فمكثنا ليلتين في مكاننا حتى [ سكن
--> ( 1 ) في البيهقي : وضعفت نفسي . ( 2 ) في الأصل حريش ، وهو تحريف ، وما أثبتناه من شرح المواهب 2 / 178 . ( 3 ) سقط من الأصل واستدركت من تاريخ الطبري 3 / 32 وفي البيهقي : وأنا أعرف أهل مكة إنهم أمسوا انفجعوا بأفنيتهم . ( 4 ) كذا في الأصول والطبري ، وفي البيهقي : سبعا وهو مناسب أكثر . ( 5 ) في الطبري : فتبادرنا ، وفي البيهقي : فنيد بنا . ( 6 ) من الطبري ، وفي البيهقي : ودخلت الغار .